حسن بن موسى القادري
320
شرح حكم الشيخ الأكبر
بإظهار سره الذي ستره عن خلقه ، ولهذا قيل : التكلم بالأسرار من موجبات الكفر عند الكبار إلا إذا كان من باب التحدث بالنعم من الكريم الغفار ، فلا تتوجه إلى معاني الأسرار السؤلات ، وإنما السؤال في المعاملات ونتائج المقامات لكن الاستدلال على الأسرار ليتبين حقائقها عند السامع جائز بالاتفاق ، كما قال الشيخ قدس سره في بعض رسائله ، وكذا لا يسأل عن علوم يقول : بها القوم ، ولا يجوز لأحد النزاع معهم فيما يقولونه إلا إذا تيقن أنه مخالف لصريح القرآن أو السنة أو الإجماع ، وأنى لهذا ! فإن مذهبهم مشيد بهذه الثلاثة بل بالكتاب والحديث وذلك ؛ لأن علومهم مواجيد لا نقل ، والمخبر عن المعاين والمشاهد لا ينازع إلا ظلما أو حسدا أو عناد أو سوء الظن به ، وهي لا تجوز شرعا ، فيجب التصديق والاعتقاد إن كان السامع مريدا ، والتسليم إن لم يكن كذلك ، فمن دقق النظر على أنه ليس شيء من علومهم بخارج من الشريعة المحمدية كيف والشريعة هي التي أوصلتهم إلى تلك العلوم بإيصالهم إلى اللّه تعالى في كل لحظة ، ثم ذكر العارف بغير الوجه الذي ذكره به آنفا توضيحا له ، وتنشيطا للسالك الطالب . فقال قدس سره : ( والعارف لا يرتقب غير اللّه ، ولا يخشى إلا اللّه ) أي : والعارف المذكور الطائف بقدم الولاية المراتب والمقامات ، أو حول بيت الرب تعالى ، وهو القلب يطرد جميع ما كان سوى من التقرب إليه لا يرتقب ، ولا ينتظر ، ولا يلتفت غير اللّه سبحانه وتعالى ؛ لأن الغير عنده ممنوع لما عرفت مرارا ، فهو حكم تقواه ، وبه حصلت المراقبة بينه وبين اللّه تعالى فوصل إلى اللّه ، وأنس باللّه ، وخاف من اللّه ، فلا يخشى إلا اللّه لكمال معرفته للّه ، فأنس به كل شيء ، وخافه كل شيء ، وتأخر عنه وجهله لعظيم ما أودعه اللّه فيه من العلوم والأسرار ، فالمعرفة التامة تمنع الموصوف بها من مراقبة غير مولاه في منامه ويقظته وفي مطالعته ، فلا يرى في المنام غير اللّه ، ولا في اليقظة غير اللّه ، ولا يطالع إلا اللّه ، كما عرفت من كلام أبي يزيد البسطامي قدس سره ، ولا يخاف شيئا إلا اللّه ؛ لأنه كوشف له سر القدر والقضاء ، وإن ما يجري في عالم الشهادة على الموجودات الخارجية بحكم اللّه وقضائه على حسب مقتضى الأعيان الثابتة في حضرة العلم ، ومقتضى الأعيان لا يختلف عن الأعيان ، فلا راد لحكمه وقضائه ، ولا حكم لغير اللّه تعالى حتى يصل منه إليه شيء من المكروهات والبليات ، فلا يخشى من الغير مع أنه لا غير عنده من حيث غيريته . وفي الحقيقة : خوف العارف بل غيرته أيضا من نفسه ؛ لأنه قضى على القاضي عليه بما